تَخيُّلاتٌ بُرُوفانسِيَّة










في ظلِّ الظُّروفِ الرَّاهنةِ، من أزماتٍ اقتصاديَّةٍ وإنسانيَّةٍ.





في ظلِّ الجائِحةِ الَّتي نُعاني منها، والَّتي لَنْ أذكرَ اسمُها. فقد مللْنَا حقاً مِنْ تكرارِها على القنوات كلها ِ، على وسائلِ التَّواصلِ جميعها ، وعلى أفواهِ طبقاتِ المُجتمع كافة،  بأعمارِها المختلفة، مِنْ صغيرٍ وكبيرٍ، ومستوياتهم المتفاوتة مِنْ مُتعلمٍ وأُمِّيٍّ.





للأسفِ تدهورَتْ نفسياتُنا وطريقةُ حياتنا، خيالُنا هو الوحيد الَّذي لازالَ بإمكانِنا التَّعاملُ معَهُ، وأخذنا إلى حيثُ أردْنَا.





ما رأيكَ أنْ نغيرَ الواقعَ، وأحملُكَ مِنْ مكانِكَ ونذهبُ...





انتظر رجاءً! أطلبُ مِنكَ أوَّلاً عزيزي القارئ، أنْ تُخرجَ كلَّ الأفكارِ مِنْ عقلِكَ. أريدُ عقلُكَ فارغاً من أيِّ شيءٍ، أريدُكَ أنْ تستحضرَ خيالَكَ كلَّهُ معي. وتحاولَ أنْ تعيشَ كلَّ ما سأخبرُكَ به حالياً.





احزمْ أمْتِعتكَ، وهيا نشدُّ الرِّحالَ سوياً إلى بُرُوفَانس الفرنسيَّة، إلى حقولِ عبادِ الشَّمسِ الصَّفراءِ الَّتي ترفعُ رأسها شامخةً. و اللافندر البنفسجي اللافت ذو الرَّائحةِ الفتَّانةِ الَّتي ستنصاعُ لها بكلِّ هُدوءٍ دونَ أنْ تعي.





للأسف حملَنا خيالُنا ليلاً لنْ نرَى شيئاً، لكن لا بأس سننامُ الليلةَ هُنا في هذا البيتِ الخشبي، على طرازِ الريفِ الجنوبي الفرنسي.





تصاعدَتْ إلى أنوفِنا رائحةٌ زكيةٌ أخذتْ عقولنا وقلوبنا وبطوننا أيضاً.





اتجهنا إلى المطبخِ وجدْنا الجدَّةَ ليزا تُخرِجُ فطيرةَ التُّفاحِ مِنَ الفرنِ، ضَحكتْ مبتسمةً من هَرعِنا نحوَ الرَّائحةِ فقالتْ: " ماثيو بالحديقةِ يقومُ بشواءِ اللَّحمِ و البطاطسِ الحلوةِ، التحقا به وساعِداه".





وطبعاً سنُنَفِذُ طلبها بدونِ أي اعتراضٍ. فتحنا البابَ ومع صريرهِ، لفحتْ وجوهُنا نسماتٌ خفيفةٌ معطرةٌ برائحةِ الحطبِ المُشتعلِ، واللَّحم الَّتي طغتْ على رائحةِ البطاطسِ الحلوةِ. وجدْنا الجدُّ قد حضَّرَ كلَّ شيءٍ، ودعانا لتناولِ ما قامَ بشوائِهِ. بعدَ لحظاتٍ أتتْ الجدَّةُ حاملةً صينةَ شاي والفطيرة الَّتي قامَتْ بإعدادِها، سهرْنا جميعاً تحدثنا في مواضيعَ متعدِّدَةٍ.





 استأذنَ الجَدَّانِ بالذَّهابِ للنومِ، أمَّا نحنُ فبقينا خارجاً مستلقينَ مستمتعينَ بالنُّجومِ الَّتي لمعانُها اليومَ على غيرِ العادةِ، بدأنا نرى أشكالاً رسمَتْها النُّجومُ المتباعدةُ، ونربطها إلى أن غفونا ونحنُ نعانقُ السَّماءَ، ونلتحفُ الفضاءَ، ورائحةُ اللافندرِ الَّذي لم نرهُ بعدُ بسببِ الظَّلامِ الَّذي يغمرُ المكانَ.





صحونا مذعورينَ على صوتِ أوَّلِ ديكٍ مشاغبٍ، صاحَ بجانبنا. كأنَّهُ فعلَ ذلكَ مُتعمداً؛ ليضحكَ على فزعِنا ويركضَ هارباً.





يا إلهي! الشَّمسُ بدأتْ شروقَها، قمْنَا مسرعينَ مهرولينَ نتسابقُ إلى عِلِّيَّةِ المنزلِ ذات النَّافذةِ الزُّجاجيَّةِ. تشاجرنا على من سيفتحُ النَّافذة أوَّلاً، حتَّى تفاجئنا بالرِّياحِ هي أوَّلُ مَنْ فتحتها، ضحكنَا كثيراً على سذاجتنا وتفاهتنا، وجلسنا ننتظرُ الخيوطَ الأولى للصَّباحِ. أخيراً بدأتِ الشَّمسُ بالتَّجلي وإضاءةِ الحقولِ البنفسجيَّةِ ذات الرَّائحة الأخاذَة. وبَدَتْ لنا النَّبتةُ المزهرةُ تتثائبُ لامباليةً، تقفُ على أطرافِ أصابعها الخضراءِ النَّحيلةِ، كأنَّها تحاولُ سماعَ أوَّلِ نغماتِ العصافيرِ و الكناري، لِتُراقِصَ بكلِّ رِقَّةٍ تمايلُ نسماتِ الرِّياحِ الخفيفةِ.





اتسعت حدقاتُ أعيُننا النَّاعسةِ، وتسمَّرنا مكاننا دونَ رمشٍ ولا حراكٍ. كأنَّ جمالُ اللَّوحةِ الخيالي سحرنا، وأحاط بتعويذتِهِ علينا. فجمدَ الدَّمُ في عروقِنا، وأوقفَ حركاتنا، وتدفقَ الرَّسائل إلى سُيَالاتِنا. فجأةً! قاطعتُ لحظاتِ الصَّمتِ والدَّهشةِ صارخةً خَائفةً، بسببِ نحلةٍ مجنونةٍ. فضحكت باستهزاءٍ منِّي، قلتُ غاضبةً: لِمَ السُّخريَّةَ؟ فحقاً أخافُ مِن لسعتِها.





نزلنا السُّلمّ متلهفينّ لِلَمسِ تلكَ الأزهارِ، وجدنا الجدين بالمطبخِ يجهزانِ القهوةَ و يغنيان، فطلبا منَّا عدمَ التَّأخرِ على الإفطارِ.





 في طريقِنا التقينَا فتياتٍ فرنسيَّاتٍ جميلاتٍ، ذواتِ ضفائرَ ذهبيَّةٍ، بفساتينَ وتنوراتٍ ذاتَ ألوانٍ فاتحةٍ ناصعةٍ، وقبعاتٍ بيضاءَ لطيفة.





كانتِ الآنِساتُ، أو كما يُطلقُ عَليهنَ هنا "لِي دُومُوزِيل"، خارجاتٍ مع أبقارِهنَ يُثرثرنَ لهنَ عن ليلِهنَ، ويصمتنَ لبرهةٍ كأنّهن يُنصتنَ إلى ردِّ الأبقارِ. والسَّيداتُ "لِي دَامْ" متجمعاتٌ في مجموعاتٍ متفرقةٍ داخلَ الحقولِ، تجمعنَ المحصولَ البنفسجي، ويغنينَ معَ بعضٍ في تناغُمٍ إبداعيٍّ كبيرٍ...





Avec mes souvenirs





J'ais allumé le feu





Mes chagrins, mes plaisirs





Je n'ai plus besoin d'eux





 فتردُّ عليها الأخرى...





Balayés mes amours





Avec leurs trémolos





Balayé pour toujours





Je repars à zéro





ويقلنَ مجتمعاتٍ بصوتٍ واحِدٍ..





Non, rien de rien





Non, je ne regrette rien





Car ma vie, car mes joies





Aujourd'hui





Ça commence avec toi..





كأنَّهُنَّ في حفلٍ كلاسيكي، في إحدى مسارحِ باريس. الفرقُ الوحيدُ هو أنَّ للخشباتِ الباريسيَّة جمهوراً ذو حشدٍ غفيرٍ، وهنا نحنُ الاثنانِ فقط، نستمعُ بهدوءٍ واندهاشٍ واستمتاعٍ.





تمنينا لو كانَ بإمكانِنا كلَّ صباحٍ نأتي إلى هنا، ونتناولُ فطورنا مع الجدَّة ليزا والجدّ ماثيو، وأنْ نتمتعَ بمذاقِ كلٍّ مِن الخبزِ الفرنسي "البَارِيزْيَانْ"، ومُربَّى التُّوتِ أو  البرتقالِ، والزُّبدةِ الطَّازجةِ. أردنا أيضاً أنْ نعيدَ الاستماعَ إلى قصتِهما الَّتي كانتْ أشبهُ بالخيالِ، حيثُ أنَّهُ كانَ سائحاً إيطاليَّاً، وهي نادلةٌ هولنديَّةٌ في أحدِ مقاهي مدينةِ نيس الفرنسيَّةَ، الَّتي كانت أيضاً مكان تعارفهما.





سألانا إن كُنا أحببنا المكانَ أم أحسسنَا بالمللِ؟ أجبناهُما بكلِّ حماسٍ وفرحٍ وابتسامةٍ، وبدأنا نسردُ عليهم ما رأيناه وإحساسنا، والرُّوعة والدَّهشة والغرابة الَّتي انتابتنا.





ضَحِكَ الجدُّ ماثيو وقالَ مُعانقاً ليزا:





أعَلِمْتُما لِمَ تَركنا المدينةَ وأعمالنا، وفَضَّلنا الاستقرارَ هنا؟





أضافتِ الجدَّةُ وهي تنظرُ إلى عَيْنَي ماثيو : "اللافندرُ هو روحُ الحياةِ في بروفانس".









سارة بوغليضي


إرسال تعليق

0 تعليقات